أظن أن أغلب الناس عنصريين.
يوجد بعض المجرمين الذين يقومون بما يسمى "جرائم الكراهية"، مثل حرق معبد لطائفة دينية معينة، أو الاعتداء على شخص أو أشخاص بسبب اللون أو العرق أو ما إلى ذلك. هذه الجرائم تعبير عن حالة متطرفة و عنيفة من العنصرية. لا أعتقد أن أغلب الناس لديهم التركيبة النفسية التي تسمح لهم باقتراف مثل هذه الجرائم. إلا أن هذا لا ينفي عنهم العنصرية.
الكلمة الإنجليزية "prejudice" تترجم ك "تعصّب" أو "تحيّز"، إلا أن المفردة الإنجليزية تحمل في طياتها معان كثيرة تفتقر إليها الكلمات العربية التي تقابلها. فلو أردنا أن نفصّل معاني كلمة "prejudice" سنجد أنها تعني أن تكوّن عن شخص انطباعاً مسبقاً -- أي قبل أن يقوم بأي عمل أو حتى تتواصل معه بأي شكل -- و هذا الانطباع المسبق يجب أن يوصف بصفات: ألا يكون عقلانياً، و أن يكون سلبياً (مثل الكراهية). هذا الانطباع المسبق، السلبي، غير العقلاني هو أساس العنصرية و المناطقية و الطائفية. بالتالي فإنك، عزيزي القاريء، لو كنت تكوّن انطباعات مسبقة سلبية عن مجموعات من البشر، فقد وقعت في شكل من أشكال العنصرية.
ولكن ماذا نعني حين نقول أن هذا الانطباع "غير عقلاني"؟ ليس في نيتي تقديس "العقل" كمفهوم فلسفي مستمد من التنوير، و إنما "العقل" بالجانب الوظيفي فحسب؛ أي الاستنتاجات المستمدة من سلوك الشخص لا من مجرد انطباعات عن هويته. سأوضح المقصد بمثال:
تخيّل أن زيد دخل مطعما لبيع السندويشات. هذا المطعم يعمل فيه ٣ طباخين، حيث يتجه كل زبون إلى أي من هؤلاء الطباخين ليعد له طعامه. دخل زيد، فإلى أي الطباخين الثلاثة يتجه؟ كيف يتخذ زيد قراره؟
التصرف "العقلاني" قد يكون-- مثلا-- أن يتجه للطباخ الذي لن يضطر للانتظار عنده طويلا. فمثلا لو أن الطباخ أ و الطباخ ب ينتظر عنده زبونان، بينما الطباخ ج ينتظر عنده زبون واحد فقط، فمن المفترض أن يتجه زيد إلى هذا الطباخ الأخير حتى لا يطول انتظاره.
و لكن لحظة... ماذا لو أن زيد يأكل في هذا المطعم دائما، و من تجاربه السابقة يعرف أن الطباخ ب هو أمهر الطباخين الثلاثة؟ عندها فاختياره لهذا الطباخ يتبع منطقاً "عقلانياً" أيضا.
و لكن، و هنا سيتضح الهدف من مثالي الطويل الممل... ماذا لو أن الطباخ ج من أصول افريقية، و أن العامل العرقي هو الذي جعل زيد يذهب لطباخ غيره؟ تخيل أن زيد دخل المطعم، و فور رؤيته للطباخ ج و جلده الأسود و شعره المجعّد، شعر بقشعريرة في جسده، و شعر بالاشمئزاز، فزيد لا يريد لهذا الأسود أن يمس طعامه، فاتجه فورا لطباخ غيره. هل زيد عنصري؟
بالتأكيد.
فقد كوّن زيد انطباعاً مسبقاً سلبياً عن شخص، و لم يكن هذا الانطباع مبنياً على عمل قام به هذا الشخص أو باحتكاك معه شخصياً، و إنما هو امتداد لانطباع سبق أن كوّنه عن السود عموماً. بل قد يكون هذا الأسود أحرص على النظافة من أقرانه البيض. لم يصدر من هذا الأسود تصرّفا يبرر اشمئزاز زيد منه. و هذا ما أقصده بأن الانطباع المسبق هذا "غير عقلاني."
و لو ناقشت زيد عن قراره غير العقلاني، و لماذا يشعر بالاشمئزاز من ذوي البشرة السوداء، ففي الغالب سيلجأ إلى منطق "الاستثناء"، أي أنه سيحاول أن ينفي عنصريته بأن يقول أنه لا يعتقد بأن "كل" السود قذرين، و أنه توجد "استثناءات". هذا الطرح، أي التأكيد على وجود "استثناءات" جزء مهم من أي منطق عنصري: فكل أسود في منظور زيد إما "قذر" أو "استثناء".
هذه المقدمة الطويلة نتاج ما يدور في خاطري بعد قراءة تويتات عنصرية لإحدى الصحفيات. هذه الصحفية من جدة، و هاجرت إلى نيو يورك. كان الدافع وراء تويتاتها العنصرية قرار بمنع الشيشة في مطاعم جدة، و هو ما فسرته الصحفية آنفة الذكر على أنه جزء مما أسمته "الهيمنة الثقافية النجدية" التي تطمس "الثقافة الحجازية". ثم كتبت تويتة طويلة تبرر موقفها العنصري بأن شبهت "نجد" بمدريد أيام فرانكو و "الحجاز" ببرشلونة، و أن تعبيرها عن عنصريتها إنما هو من باب المقاومة الثقافية النبيلة.
ردة فعلي المعتادة عندما أرى عنصرية أو مناطقية أو طائفية هي السخرية. لا أظن أن الإقناع وسيلة مناسبة لمواجهة الأفكار العنصرية، لأنها، كما سبق، مبنية على انطباع مسبق غير عقلاني. فالصحفية آنفة الذكر كونت انطباعاً مسبقاً سلبياً عن أهل نجد، و النجدي(ة) الذي لا يتوافق مع تصورها المسبق عن أهل نجد تعتبره "استثناءاً". من ينظر لفئات بشرية بهذه الطريقة لا فائدة من النقاش معه. فلذلك اكتفيت بالسخرية من عنصريتها كما سخرت من قبل بمن عبّر عن عنصريته تجاه حمزة كاشغري، أو من عبّر عن عنصريته تجاه أهل القطيف حين يحدث أمر ما في العوامية (و من الطريف أني حين أسخر من بعض الطائفيين، يتوهمون أني شيعي نظرا لاسم عائلتي).
إلا أن ما دعاني لكتابة هذه التدوينة، هو أني قرأت الكثير من المغالطات في المفاهيم التي تناولها من دافع عن الصحفية آنفة الذكر (أي من يشاركها عنصريتها لأهل نجد) و كذلك ممن استنكر كلام الصحفية. فحتى بعض الذين رفضوا عنصرية الصحفية آنفة الذكر خلطوا الحابل بالنابل حين تحدثوا عن "الثقافة النجدية" و "الثقافة الحجازية"...و هذه المغالطات هي ما سأحاول معالجته الآن.
أولا، من السهل على المرء أن يوظف "الثنائيات" (binaries) لتبرير مواقفه، حتى و إن كان التوظيف سقيماً. فالبعض ابتكر ثنائية حجازي/نجدي و قارنها بثنائيات مثل أسود/أبيض (في السياق الأمريكي) و فلسطيني/إسرائيلي مثلما فعلت الصحفية آنفة الذكر في تويتتها الطويلة بتوظيفها لثنائية برشلونة/مدريد. هذه الثنائيات توهم القاريء بأن هناك علاقة بين هذه الروابط المختلفة لأن أحدهما "قوي" و الآخر "ضعيف". إلا أن هذا المنطق سطحي للغاية، فلا علاقة أبدا بين وضع الأسود في أمريكا و وضع الفلسطيني في الأراضي المحتلة، ناهيك عن وجود تشابه بينهما و بين الحجازي في السعودية. بل إن أي شخص يستطيع أن يصنع ثنائيات أخرى و أن يزعم أن أحد طرفي الثنائية "مثل" برشلونة والأخر "مثل" مدريد. فانظروا إلى هذه الثنائيات: جدة/ينبع؛ شمال السعودية/جنوب السعودية؛ القبيلي/الخضيري؛ الأشراف/"التكارنة"؛ الهلال/النصر؛ اللحم/الدجاج. لو قلت بأن "الثقافة القبيلية" تهيمن على "الثقافة الخضيرية" فهل يستوي هذا المعنى؟ لو قلت بأن جدة "تهيمن" على ينبع؟ لو قلت بأن قمع فرانكو لبرشلونة (و إقليم الباسك و غيرها) "مثل" انحياز الاتحاد السعودي لكرة القدم (المزعوم) للهلال، هل سأكون أصبت كبد الحقيقة؟
فبالتالي يتبين أن صفصفة ثنائيات بدائية و الإدعاء بأن هناك علاقة بينها جميعا هراء محض.
ثانياً، بعض من رد على الصحفية آنفة الذكر أقر استخدام الدولة لما يسمونه "الثقافة النجدية" من أجل طمس باقي الثقافات، و لكنهم أنكروا مبدأ "الذنب الجماعي"، و هو أن يكون جميع أهل نجد (باستثناء المستثنى منهم) مسؤولين عن سلوك الدولة. بالطبع فهم محقين في نفي مبدأ "الذنب الجماعي"، و لكن جانبهم الصواب في إقرار "هيمنة الثقافة النجدية". نجد ليست -- كما يتوهم من يجهلها -- كتلة واحدة متجانسة. عنيزة والدرعية و ثادق و العارض و الخرج و بريدة و حوطة بني تميم و حوطة سدير و المجمعة ليس لها "ثقافة" موحدة يمكن تصديرها للحجاز كأنها براميل من النفط. ثم إن الحجاز نفسها ليست لها ثقافة موحدة، بل إن جدة، على سبيل المثال، مدينة (لا زالت) تتمتع بقدر كبير من التعدد و التنوع الثقافي الذي يحوي عناصر ثقافية من داخل و خارج شبه جزيرة العرب. ملخص الكلام هنا أنه لا توجد ثقافة موحدة جامدة تسمى "الثقافة النجدية" و أخرى اسمها "الثقافة الحجازية" إحداها مهيمنة على الأخرى. و لعل في الأمثلة التي ذكرتها الصحفية آنفة الذكر لتدلل بزعمها على "الهيمنة الثقافية النجدية" دليل على ضعف حجتها، فاكتفت بذكر أمورا مثل قرار الملك فيصل بفرض "الشماغ" في الهوية الوطنية كمثال على "الهيمنة الثقافية النجدية" بزعمها، رغم أن الشماغ ليس نجدياً أصلا. فكلمة "شماغ" من أصل تركي و يلبسه الأردني و الفلسطيني و غيرهم. لو ذكرت هذا المثال في سياق عرضها -- مثلا-- لمحاولة الدولة فرض هوية "وطنية" سعودية لربما -- أقول ربما-- استقام منطقها. و تبلغ قمة لاعقلانية هذه الكراهية غير العقلانية حينما استشهدت بالساعة الكبيرة القبيحة قرب الحرم المكي. حقيقة لا أعلم متى أصبحت الساعات الكبيرة القبيحة جزءاً مما تسميه "الثقافة النجدية." نحن بانتظار قدوم من يزعم بأن "الساعات الكبيرة" دخلت "الثقافة النجدية" بعد تحالف الملك عبدالعزيز مع الإنجليز و تأثر أهل نجد بساعة Big Ben ...يبدو أن ذلك هو الفاصل القادم من المسرحية الهزلية التي تُخرجها الصحفية آنفة الذكر.
مما سبق يتضح أنه لا يوجد أصلا ما يمكننا بوضوح أن نسميه "ثقافة نجدية" (هل يعتبر فن السامري مثلا من هذه "الثقافة النجدية" الشاملة؟ ماذا عن الكليجة؟). و ما دام أنه لا توجد ما يمكننا أن نسميه "ثقافة نجدية" موحدة، و لا "ثقافة حجازية" موحدة، فمنطقيا لا يمكن أن يهيمن شيء غير محدد على شيء آخر غير محدد.
و ختاماً، فلعل المنطق الذي اتبعته الصحفية آنفة الذكر، هو أن ربطت مفهوماً في مخيلتها أسمته "نجد" بالأسرة المالكة، ثم أضحت تنتقد في الدولة (و هو حقها المشروع). لا أمانع أبدا أن تنتقد الصحفية آنفة الذكر الدولة. لكن الدولة ليست "نجد" التي في مخيلتها، التي تعتبر الوهابية جزءاً أساسياً من "ثقافتها". بل إن محمد بن عبدالوهاب تتلمذ على يد الشيخ محمد حياة السندي الذي لا زالت سلالته تقطن الحجاز. و لكن لو زعم أحدهم أن الوهابية من "الثقافة الحجازية" لمجرد أن شيخ الشيخ كان حجازياً، فسننعت من يزعم ذلك بالغباء، و لعلنا ننعت من يزعم أن الوهابية من "الثقافة النجدية" بنفس الوصف.
كوني حجازية عشت طيلة عمري بعيدا عن الحجاز، أجد في كل زيارة لي للحجاز ان كمية العنصرية في "جدة" تحديدا نحو كل ما هو غير حجازي بدأت تتصاعد لحد أنني صرت أسمعها في حوارات في الاماكن العامة، فتصيبني بالاشمئزاز وعدم الارتياح
ReplyDeleteبغض النظر عن كونها "غير عقلانية" فإن اعتقادي ان هذه العنصرية هي ردة فعل طبيعية للألقاب التي ألصقت بأهل الحجاز مثل "طرش البحر" و"بقايا الحجاج".. حتى أن بعض الحجازيين أنفسهم يمارسونها ضد الحجازيين الذين تمتد اصولهم من أعراق غير عربية..
امتداد الى اخر اتهام "أنت موب سعودي" هذا التشكيك في الهوية جعل الكثيرون يبحثون عن هوية بديلة، وبالتالي التمسك بما يسمونه "الهوية الحجازية" تبعا للأصول التاريخية حين كانت الحجاز بلد-منطقة منفصلة
أيضا، أعتقد أن تولد هذا اللوم الديني او ما يسمى "بالدين السعودي-الدين النجدي" كان جراء حقبة طويلة من المناهج الدينية التي تعلم أن "التصوف بدعة" مع أنه كان موجودا في الحجاز منذ زمن بعيد.. والذي يظهر انه بدأ يعود بشكل "حبيب" مما جعل الشباب هناك يميلون اليه بعد أن طفح الكيل بالتحريمات
الحجاز يحاول تكوين هوية، او العودة الى هوية قديمة أكثر انفتاحا من باقي المناطق، قد نجدها في بعض المظاهر التي تشمل كشف المرأة لوجهها، التحادث بين الرجال والنساء بأريحية، وسماع الأغاني الخ.. الأمر الذي جرمه وحرمه القائمون على الافتاء في المملكة مع أنه كان يحدث بكل طبيعية في الحجاز ولزمن طويل
كما لا ننسى الجانب التاريخي للموضوع، والذي قامت عليه الدولة السعودية بتحالف مع ال الشيخ، والذين مسكوا زمام امور الافتاء لفترة طويلة، ومن هنا أتى لقب "الدين النجدي"
هل هو استهبال؟ لا أعتقد.. ولكنه انعكاس عن الطبيعة البشرية التي تبحث دوما وأبدا عن شيء ما لتصارعه، ومن خلاله تكون نفسها وهويتها
(اللهم الا ان كنت تريد ان تلعب
pun
على اسم القائلة باختيارك لكلمة استهبال :) )